ابن عربي
61
فصوص الحكم
ذلك أنفسنا . لأن العلم بالصفات والأسماء التي يتكوّن منها مفهوم الألوهية لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق العلم بصفات الموجودات الحادثة - بما في ذلك صفاتنا . وهذا في نظره سر الخلق : فإن الحق لم يظهر بصور الموجودات إلا ليعرف - لا في ذاته - بل من حيث كونه إلهاً . يقول الحديث القدسي : « كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبه عرفوني » : أي كنت ذاتاً أزلية قديمة معرّاة عن النسب والإضافات فعكستُ جميع ما في هذه الذات من كمالات على مرآة الوجود ، فإذا عرفت صور هذه الكمالات ومجاليها عُرفتْ كمالاتي . بهذا المعنى نقول إن وجود الخلق دليل على وجود الحق ، ولكن هناك معنى آخر به نستطيع أن نقول إن الحق عين الدليل على نفسه وعلى ألوهيته ، وهذا لا يكون إلا إذا اعتبرنا أن العالم في ذاته عدم محض لا وجود له إلا بالحق : فإذا علمنا عن طريق النظر في العالم ألوهية الحق ، ثم أدركنا أن العالم ليس في الواقع سوى تجلي الحق في صور الأعيان الثابتة التي يستحيل وجودها بدونه ، أدركنا أن الحق عين الدليل على نفسه . ولكن هذا الإدراك ذوقي كشفي كما يقول المؤلف . وهناك علم كشفي آخر ، وهو إدراك صور الوجود في مرآة الحق وإدراك أنه هو الظاهر بجميع هذه الصور مهما تعدّدت وتنوعت صفاتها وأشكالها . وصاحب هذا الكشف لا يسأل لِمَ فعل به الحق كيت وكيت : لأنه يعرف أن لا اثنينية في الأمر وأن كل ما يظهر به من صفات الوجود إنما هو من مقتضيات عينه الثابتة ، فلا يلومن إلا نفسه . نلاحظ إذن ثلاث درجات من المعرفة يتطور فيها الذوق الصوفي المتجه نحو إدراك الوحدة الوجودية : ففي الدرجة الأولى ينكشف للسالك معنى الألوهية عن طريق النظر في صفات المألوهية وهي صفات العالم ، ويتخذ الصوفي من العالم دليلًا على وجود الحق .